الشيخ محمد رشيد رضا
607
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجملة القول في هذا المقام أن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه كان يعلم باعلام القرآن أن للنصر في القتال أسبابا حسية ومعنوية ، وأن للّه تعالى فيها سننا مطردة ، وأن وعد اللّه تعالى وآياته منها المطلق ومنها المقيد ، وأن المقيد يفسر المطلق ولا يعارضه ، ولا اختلاف ولا تعارض في كلام اللّه تعالى ، وكان يعلم مع ذلك أن للّه تعالى عناية وتوفيقا يمنحه من شاء من خلقه فينصر به الضعفاء على الأقوياء والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه ، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله ، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف استغاث اللّه تعالى ودعاه ليؤيدهم بالقوة المعنوية ، ويحفهم بالعناية الربانية ، التي تكون بها القوة الروحانية ، أجدر بالنصر من القوة المادية ، وكان كل من علم بدعائه يؤمن عليه ، وكانوا يتأسون به في هذا الدعاء ، فيستغيثون ربهم كما استغاثه وقد أسند اللّه إليهم ذلك وأجابهم إلى ما سألوا بقوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الآية ، قيل إن هذا بدل من قوله تعالى ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ) وظاهر هذا أن زمن الوعد والاستغاثة والاستجابة واحد على اتساع فيه وحينئذ يرتفع الاشكال الذي أجبنا عنه آنفا من أصله ، وظاهر الروايات وكلام المفسرين أن الاستغاثة وقعت بعد الوعد وقد وجهوا ذلك بما ليس من موضوعنا بيانه مع القطع بأنه عربي فصيح ، وقيل إنه متعلق بقوله ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) أو بمحذوف علم من السياق ومن نظائره في آيات أخرى تقديره « اذكر » أو « اذكروا » إذ تستغيثون ربكم . والاستغاثة طلب الغوث والانقاذ من الهلكة فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ هو في قراءة الجمهور بفتح الهمزة أي بأني ممدكم ، وقرأها أبو عمرو بكسرها أي قائلا إني ممدكم أي ناصركم ومغيثكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ قرأ الجمهور مردفين بكسر الدال من أردفه إذا أركبه وراءه وذلك أن الذي يركب وراء غيره يركب على ردف الدابة غالبا وقرأها نافع ويعقوب بفتحها ، وفي كل منهما احتمالات لا يختلف بها المراد . أي يردفونكم أو يردف بعضهم بعضا ويتبعه ، أو يردفهم ويتبعهم غيرهم . وتقدم في تفسير مثل